
بيان: لمحة من فقه العزة في كيفية مناصرة قطاع غزة.
علي بن حاج – الجزائر - حماسنا
-------
الحمد لله القائل في كتابه العزيز "ليس على
الضعفاء ولا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا
نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل و الله غفور رحيم، ولا على
الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم
تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون" التوبة، والصلاة على
أشرف المرسلين القائل في الحديث الصحيح "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد
بعضه بعضا وشبك بين أصابعه" وعلى آله وصحبه الذين كانوا أشداء على
الكفار رحماء بينهم، يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع.
مما لاشك فيه أن القلب ليحزن والعين لتدمع
لما يعانيه الشعب الفلسطيني المقاوم على وجه العموم وعلى قطان غزة
الجهاد على وجه الخصوص، ومما يزيد النفس هما وكربا أن يحال بين الشعوب
الإسلامية ومناصرة إخوانهم في الدين والعقيدة عن طريق حكام عملاء لا
همّ لهم إلا البقاء في السلطة ولو على حساب مصالح الأمة الإسلامية
الكبرى وفي الوقت الذي تتكالب فيه قوى البغي والعتو العالمي بزعامة
إدارة بوش السفاح، وتشن الغارة على أطراف وقلب العالم الإسلامي وتشجع
إسرائيل على التمادي والإمعان في قهر الشعب الفلسطيني وإذلاله وتجويعه
وترويعه وتشريده وتمزيق أوصاله والدوس على مقدساته نجد ولاة القهر
عندنا منصرفون لشؤونهم الخاصة هذا في توطيد ملكه وهذا في تشييد إمارته
وهذا في السعي لتوريث ولده أو ابنته وهذا في تعديل دستور على مقاسه
يطيل بقاءه في السلطة والقاسم المشترك بينهم الخضوع الخنوع والاستلام
والتراقص مع سفاح القرن وبيع مصالح شعوبهم خلف الستار مع الصهاينة
الأخباث ويقابل هذا الخنوع المهين تجبر وتنمر واستبداد على شعوبهم فهم
أسود على شعوبهم حملان وديعة من أعداءهم.
وأمام هذا الواقع المر يتساءل الجميع ما العمل لنصرة إخواننا في غزة
أمام تقاعس الحكام عن القيام بواجبهم الشرعي والسياسي والقومي
والإنساني والأخلاقي ويا ليت الأمر وقف عند حد التقاعس بل تعداه إلى
قمع ومنع الشعوب من ممارسة حقها الشرعي المتمثل في فريضة التعاضد
والتساند والمناصرة وأعجب العجب أن تتحرك المظاهرات الغاضبة في بلاد
الغرب مثل بريطانيا والسويد وبلجيكا وعواصم أوروبا وتقمع كل مسيرة أو
مظاهرة في البلاد الإسلامية ومنها الجزائر التي طالما رفعت شعار أنها
مع فلسطين ظالمة أو مظلومة ويصرح رئيس الحكومة في ملتقى القدس أن نصرة
فلسطين فرض عين ؟!!! وكان الواجب أن يغلي مرجل الجزائر أكثر من أية
دولة بحكم أن الجزائر جربت الاستعمار و فضائعه ومخلفات الاستعمار
الفرنسي مازالت قائمة إلى يوم الناس هذا في بلدنا على أكثر من صعيد ومن
العار بمكان أن تقف جزائر الشهداء هذا الموقف المخزي فيمنع الناس في
التعبير الجماعي لمناصرة الشعب الفلسطيني نعوذ بالله من الخذلان ونكران
الجميل. وقبل أن أذكّر بالواجبات الشرعية نحو إخواننا في غزة الجهاد
والرباط ليكون كل مسلم على بصيرة من أمره، أودّ أن أتطرق لموضوع الحصار
والمقاطعة الاقتصادية والهدف منها على وجه الاختصار.
نقول لإخواننا في حماس نصرهم الله تعالى وأخزى عدوهم،
عليكم بالصبر والمصابرة واعلموا أن قدوتنا الرسول صلى الله عليه وسلم
تعرض لحصار دام أكثر من سنتين في شعب مكة والهدف منه تحطيم الدعوة وصرف
الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد اجتمع سادة قريش على شن حصار
اقتصادي ومقاطعة اجتماعية وسياسية عامة "ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم
ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعون منهم ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا ولا
تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل"
وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب، مسلمهم
وكافرهم إلى أبي طالب ودخلوا معهم شعب مكة فأقاموا على ذلك سنتين أو
ثلاث حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا يسرا وقطعت قريش عنهم
الأسواق حتى كان يسمع أبناؤهم ونساؤهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع
طوال مدة الحصار والمقاطعة العامة، ظل رسول الله صامدا محتسبا هو ومن
معه، فمن كان مسلما صبر إيمانا واحتسابا والكافر حمية ونخوة وأنفة على
عادة العرب الأقحاح أباة الضيم حتى قيض الله تعالى بحكمته وعلى يد رجال
تحركت فيهم مشاعر الإنسانية على كفرهم، أجمعوا وتعاهدوا على نقض
الصحيفة، منهم زهير بن أبي أمية الذي قال مخاطبا أهل مكة الأجلاف غلاظ
الأكباد " يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا
يباعون ولا يبتاعون منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة
الظالمة" ووافقه على هذا كل من هاشم بن عمرو بن الحارث وابن البختري
وكسر الحصار والأجمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حفظ لهؤلاء
الرجال على شركهم وكفرهم هذا الجميل، بل نهى أصحابه على قتل بعضهم في
غزوة بدر حفظا لهذا الجميل، وهكذا تكون الرجولة فيا أهل غزة اصبروا
وصابروا، ولكم في رسول الله أسوة حسنة، وإذا كنا سمعنا بأن هناك بعض
اليهود في إسرائيل يطالبون برفع الحصار فالأولى بذلك الشعب المصري
والأردني بحكم المجاورة والقرب ومن ورائهم الشعوب الإسلامية، وثقوا
يا إخواننا في غزة أن الشعب الجزائري لو كان إلى جواركم وله حدود معكم
فلن يعدم حيلة لمناصرتكم بالمال والنفس، ولكن عذر سكان المغرب العربي
وغيرهم في ديار الإسلام أن ولاة القهر قاموا بسجن شعوبهم ومنعها من
مناصرة إخوانهم المسلمين حيث كانوا من ديار الإسلام، وها نحن نرى
أن الشباب الذي سافر إلى مناصرة المسلمين هنا وهناك، عندما يلقى على
بعضهم القبض، يسجنون ويعذبون أشد العذاب لا لشيء إلا أنهم قاموا بأداء
واجب شرعي تقاعس عنه ولاة القهر رغم أن هذا الواجب الشرعي عليهم أوجب،
وهم عليه أقدر بحكم ما عندهم من سلطان ونفوذ، وقد قال العلماء في تفسير
الآية التي بدأت بها هذا البيان "هذه الآية نص بنفي الحرج وهو الإثم
على ترك الجهاد لهذه الأعذار بشرط النصيحة لله ولرسوله" وقال الإمام
السيوطي "رفع الجهاد عن الضعيف والمريض ومن لا يجد نفقة ولا أهبة
للجهاد ولا محملا" وفي الحديث الصحيح "إن بالمدينة رجالا، ما سرتم
مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض" وفي رواية "إلا
شاركوكم في الأجر" نسأل الله تعالى خلوص النوايا وصفاء الطوايا.
وليكن في علم إخواننا في غزة المحاصرة
أنه إذا كان الحصار قد ضرب على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مكة
قبل قيام الدولة كما سبق الإشارة إليه فقد حاول المنافقون في المدينة
شن حصار اقتصادي على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد قيام
الدولة والتمكين لدين الله تعالى. * وليكن في علم إخواننا في غزة
المحاصرة أنه كما ضرب الحصار على الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة قبل
قيام الدولة الإسلامية فقد حاول المنافقون في المدينة شن حصار آخر على
الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد التمكين وقيام الدولة ولكن الله
خيب سعيهم وأبطل مكرهم "ولا يحيق المكر
السيئ إلا بأهله" وهذا الحصار الاقتصادي أشارت إليه الآية
الكريمة بقوله تعالى :"هم الذين يقولون لا
تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض
ولكن المنافقين لا يفقهون" المنافقون 7.
والهدف من هذا الحصار هو انفضاض الناس
عن قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم تحت وطأة الحاجة وشظف العيش وقد
أجاد سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية فقال: "وهي خطة التجويع
التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان
والمكان في حرب العقيدة ومناهضة الأديان ذلك أنهم لخسة مشاعرهم يحسبون
لقمة العيش هي كل شيء في الحياة كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين
إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضوا عن نصرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ويسلموه للمشركين وهي خطة المنافقين
كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه
تحت وطأة الضيق والجوع ! وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في
بلادهم من بطاقات التموين ليموتوا جوعا أو ليكفروا بالله ويتركوا
الصلاة ! وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله وحركة البعث
الإسلامي في بلاد الإسلام، بالحصار والتجويع ومحاولة سد أسباب العمل
والارتزاق وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان من
قديم الزمان إلى هذا الزمان" قلت: وهي خطة أمريكا وإسرائيل في
محاربة كل دولة مقاومة للطغيان العالمي وكل حزب أو جماعة ترفع شعار
المقاومة والصمود تحت شعار محاربة الإرهاب المزعوم . وهي خطة
الأنظمة القاهرة الاستبدادية التي تحارب المعارضة السلمية والمسلحة في
لقمة العيش كما هو الحال في الجزائر داخليا مما جعل الكثير يتكففون
الناس ويعتاشون على الصدقات والزكوات والإعانات لا لشيء إلا لأنهم
قاوموا الاستبداد والطغيان ومصادرة الحقوق السياسية والمدنية
والاجتماعية . وما أجمل قول سيد قطب في
نهاية تفسير الآية: "فالتجويع خطة لا يفكر إلا أخس الأخساء والأم
اللؤماء".
-
والحاصل مما تقدم أن يصبر إخواننا في غزة الجهاد وطليعة تحرير القدس الشريف اقتداء بالرسول صلى
الله عليه وسلم وأصحابه الذين تعرضوا للحصار والمقاطعة أكثر من مرة.
أما ما هي
الواجبات الشرعية على المسلمين لنصرة إخواننا في غزة
فيمكن إجمالها فيما يلي، بعضها واجبات على أهل العلم والدعوة وبعضها
على الحكام الأقربين والأبعدين وبعضها واجبات على الشعوب القريبة
والبعيدة جغرافيا. أولاً : واجبات العلماء والدعاة : مهمة الدعاة في
الإسلام ليست مقصورة على بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات
الفردية بل تتعداها إلى بيان أحكام العبادات الاجتماعية والسياسية
والإنسانية "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا
الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" آل عمران، وفي الحديث "من
كتم علما ألجمه الله بلجام من نار" وهم مسؤولون أمام الله تعالى عن
تصحيح مفهوم العبادة بمعناها الشامل لأن كثيرا من الناس
يظنون أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة
وكأن السياسة رجس من عمل الشيطان يجب أن يجتنب وإخواننا في حماس
والجهاد الإسلامي قد جمعوا بين العمل السياسي والمقاومة
وهذا هو سبب تكالب الأعداء والعملاء عليهم
في الداخل والخارج فمن واجب العلماء
والحالة هذه أن يبينوا للناس مكانة السياسة في الإسلام وفضيلة الجهاد
بضوابطه الشرعية والمقاومة وأعداء الإسلام من قديم وأذنابهم يسعون إلى
تزهيد الناس في أمرين هامين هما من صلب هذا الدين السياسة والجهاد وقد
نص العلماء قديما وحديثا أن الدين أس والسلطان حارس وإنه ما لا أس له
فمهدوم وما حارس له فضائع وأن دينا ذهب سلطانه ذهبت أحكامه وأن الله
يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وإن الدين والسلطان توأمان ، وهل يمكن
أن نتصور جملا بلا سنام والجواب طبعا لا فكذلك لا يمكن أن نتصور
الإسلام بلا جهاد، فقد جاء في الحديث الصحيح "وذروة سنامه الجهاد"
والجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر
وقد كانت فرنسا الاستعمارية تعد الحديث في السياسة جريمة وتهمة لا تليق
بالعلماء ولكن علماء جمعية العلماء صدعوا بكلمة الحق وتحدثوا في
السياسية بل وشاركوا فيها بطريقة أو بأخرى، خلافا لما يروجه البعض أن
جمعية العلماء المسلمين بعيدة عن العمل السياسي وهؤلاء إما يخفون
الحقائق وإما جهلة ليس لهم إطلاع واسع على تراث الجمعية والمراحل التي
مرت بها منذ التأسيس، فهذا الشيخ أبو يعلي الزواوي يقول: "فمن أحق
وأجدر بالسياسة من العلماء" وهذا الشيخ ابن باديس يقول: "ما هذا العيب
الذي يُعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة". وقال أيضاً:
"كلامنا اليوم في العلم والسياسة معاً وقد يرى بعضهم أن هذا الباب صعب
الدخول فيه لأنهم تعودوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن
مسالك السياسة مع أنه لابد من الجمع بين السياسة والعلم ولا ينهض العلم
والدين حق النهوض إلا إذا نهضت السياسة". ولقد رد الشيخ الإبراهيمي على
فرنسا عندما اتهمت الجمعية بالاشتعال بالسياسة قائلاً: "فإذا كانت هذه
الأعمال تُعد - في فهمك ونظرك - سياسة فنحن سياسيون في العلانية لا في
السر وبالصراحة لا بالجمجمة". وهذا الشيخ العثيمين رحمه الله يقول: "إن
دين الله هو السياسة الحقيقية النافعة وليست التي يفرضها أعداء الإسلام
من الكفار ، السياسة حقيقة ما جاء في شرع الله ولهذا نقول إن الإسلام
شريعة وسياسة ومن فرق بين السياسة والشريعة فقد ضل ، فالمهم أن الدين
دين الله وإن الدين سياسة شرعية ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل فهو
بين أمرين إما جاهل بالدين ولا يعرف ويظن أن الدين عبادات بين العبد
وربه وحقوق شخصية وما أشبه ذلك يظن أن هذا هو الدين فقط . أو أنه بهره
الكفرة وما عليه من القوة المادية فظن أنهم هم المصيبون وأما من عرف
الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعة وسياسة". وقال أيضاً: "وأمور السياسة
والجهاد فهي لمن أخلص فيها تعد من أخلص العبادات".
-
تلك منزلة السياسة عند أهل العلم فعلى العلماء
بيان منزلة السياسة في الإسلام حتى لا يزهد فيها عموم الأمة لأن
المستفيد الوحيد من ابتعاد المسلمين عن العمل السياسي الشرعي هم
الطواغيت وأهل الاستبداد في الداخل والخارج الذين يريدون حصر الإسلام
في زاوية العبادات الشخصية كالمسيحية والبوذية أو بعض الحركات
الإسلامية المنحرفة عن الجادة، وكما كان عليه السلف الأوائل وخير
القرون الذين جمعوا بين العلم والعمل والسياسة والجهاد بجميع أنواعه
ومن درس سيرتهم عرف ذلك خير المعرفة خلافا للإسلام الأمريكي وعملائها
في العالم الإسلامي الذين يشجعون الحركات العلمانية الإسلامية التي
تزهد الناس في السياسة والجهاد والمقاومة وتدعمها ماديا ومعنويا وتفتح
لها منابر الخطابة والإعلام بجميع ألوانه وها هي سفارة أمريكا في
الجزائر تقدم مبلغا ماليا معتبرا لأحدى الزوايا الكبرى في الجزائر
بدعوى أنها تمثل الإسلام المعتدل المسالم، وهاهو رئيس إسرائيل أولمرت
يفضل التعامل يفضل التعامل مع الدول السنية المعتدلة على الدول التي
تشجع الإرهاب، ومتى كان أولمرت –قاتله الله- يعرف السنة من البدعة؟!!!
وصدق البشير الإبراهيمي عندما قال "الشيطان يعظ" فمتى كان بوش أو
أولمرت من فقهاء الإسلام؟!!!.
وعلى أهل العلم
أن يشرحوا مكانة الجهاد في الإسلام بجميع أنواعه وتحديد ضوابطه الشرعية
التي نص عليها الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة قديما وحديثا لأن هذه
الفريضة تعمل جهات كثيرة وعلى رأسها مراكز الدراسات الأمريكية والغربية
على إلغاء الجهاد والتركيز على العبادات الفردية، قال الشيخ بن باز
رحمه الله في بيان فضل فريضة الجهاد "فإن الجهاد في سبيل الله أفضل ما
تقرب به المتقربون وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض وما ذاك إلا لما
يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين وقمع الكافرين
والمنافقين وتسهيل انتشار الدعوة الإسلامية بين العالمين" وهناك من بلغ
به الهوس والشطط الكفر البواح إلى وصف القرآن الكريم بأنه مصدر الإرهاب
وأن الرسول الأكرم بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام أنه مجرد إرهابي،
فبعد أن كان وصف الإرهاب مقصورا على المجاهدين والمقاومين هاهم
اليوم يصفون بكل وقاحة وبجاحة بأن الإسلام دين
إرهابي ولا بد من إلغاء فريضة الجهاد، وحذف سورة التوبة
والأنفال من البرامج التربوية وهذا ما سعت إليه حكومة العميل مزيف
في الباكستان وكأنه من فرقة القاديانية التي حرمت الجهاد كما هو معلوم
لمن اطلع على عقائد هذه الفرقة الخارجة عن الإسلام، وهؤلاء الجهلة
يظنون أن الجهاد مادة في قانون وضعي يسهل تغييره أو حذفه؟!
متجاهلين أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام
وقد نص عليه الكتاب والسنة ولذلك وجب على أهل العلم خاصة أن يبينوا
مكانة الجهاد بجميع أنواعه وأصنافه، فالجهاد ليس مقصورا في الإسلام
على القتل والقتال فحسب، والأصل في الإسلام هو
الدعوة السلمية والجهاد وحمل السلاح أمر طارئ لدفع الظلم
والعدوان داخليا أو خارجيا، قال ابن تيمية رحمه الله "فإن قوام
الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكره الله تعالى، فعلى كل
واحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى" والذي أوصل حالة
المسلمين إلى هذه المهانة والاستكانة إنما هو التفريط في أمور كثيرة
ومنها الجهاد ولذلك قال الشيخ العثيمين " لما كان المسلمون على الحق
ويعتمدون على رب العزة والجلال ويمسكون المصحف بيد ويقدمون المصحف على
رمح فتحوا مشارق الأرض ومغاربها" وقال أيضا" إن الجهاد بالقول مثل ما
يكون بالسلاح" فعليكم يا معشر العلماء بيان أحكام الجهاد والمقاومة
لاسيما وأنتم تعلمون أن الجهاد باليد واللسان وهذا المشارك فيه كثير،
أما جهاد الحجة والبيان فقد عده العلماء جهاد الخاصة من أتباع الرسل
وهو جهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة
أعدائه وعلى العلماء أن يحرضوا الأمة على مقاومة الاستعمار والاستكبار
العالمي وكسر الحصار على الإخوان في غزة، فقد قال الإمام علي رضي الله
عنه "من حرض أخاه على الجهاد كان مثل أجره، وكان له في كل خطوة في ذلك
عبادة سنة". قال عبد الله بن عمر "غدوة في سبيل الله عز وجل خير من
خمسين حجة" وقال معاذ بن جبل "لأن أشيع رفقة في سبيل الله فأصلح لهم
أحلاسهم وأرد عليهم دوابهم أحب إلي من عشر حجج بعد حجة الإسلام". ويجب
على علماء الأمة أن لا يتخوفوا من الأصوات التي ترتفع هنا وهناك مطالبة
بمحاكمة "فقهاء الإرهاب" ولا من الإجراءات القمعية التي اتخذها وزراء
الداخلية العرب مؤخرا، والذين ليس لهم من صفات العرب الأقحاح إلا الاسم
الباهت – تحت شعار مكافحة الإرهاب المزعوم، رغم أن أغلب الدول العربية
تمارس إرهاب الدولة وكلنا يعلم أن الهدف الوحيد لوزراء العرب منذ ربع
قرن المحافظة على الكراسي والعروش وقمع الشعوب والتضييق عليها عن طريق
الأجهزة الأمنية المتعفنة الفاسدة. - تلك بعض واجبات العلماء
الشرعية نحو مناصرة إخواننا في فلسطين عموما وغزة على وجه الخصوص، بل
وفي العراق وأفغانستان وكل بلد إسلامي محتل أو مهدد بالاحتلال أو
الاعتداء وأختم هذه الفقرة بسؤال هام ومحير ألا وهو أين هم العلماء
الذين أفتوا يوما ما بوجوب الجهاد في أفغانستان وأنه فرض عين على كل
مسلم وأحجموا عن إصدار فتوى مماثلة بوجوب الجهاد
في فلسطين والعراق المحتلة؟!!!
ثانيا: واجبات
الحكام الشرعية: لا شك أن أهم واجبات الحكام الشرعية هو
تحكيم أحكام الشريعة الإسلامية لأنها مصدر العزة والأمن والاستقرار،
قال الشيخ ابن باز رحمه الله "لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين
وقادتهم أن يحكّموا الشريعة الإسلامية في جميع شؤونهم، وأن يحاربوا ما
خالفها وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإسلام ليس فيه نزاع بحمد الله،
والأدلة عليه من الكتاب والسنة معلومة عند أهل العلم"، وقال أيضا "فلا
يتم إيمان العبد إلا إذا آمن بالله ورضي حكمه في القليل والكثير وتحاكم
إلى شريعته وحدها في كل شأن من شؤونه، في الأنفس والأموال والأعراض
وإلا كان عبدا لغيره كما قال تعالى" ولقد بعثنا في كل أمة رسولا، أن
اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" النحل، فمن خضع لله سبحانه وأطاعه
وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له ومن خضع لغيره وتحاكم إلى غير شرعه،
فقد عبد الطاغوت" وقال أيضا "وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم
غير الله أحسن من حكم الله أو هدي غير رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحسن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، كما أجمعوا على أن من
زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال".
-
أما أن تحكيم الشريعة هي مصدر الأمن والاستقرار
فقد قال الشيخ بن باز "وبهذا يعلم أن تطبيق الشريعة والعناية بذلك
واستكماله من أعظم أسباب كمال الأمن وكمال الهداية وكمال السلامة
والحياة الكريمة وأن العبد متى أخل بشيء مما أوجب الله عليه أو ارتكب
شيئا مما حرمه الله عليه فأنه يناله من اختلال الأمن ومن اختلال
الهداية ما يناله بحسب ما لديه من تقصير في أمر الله أو ركوب لبعض
محارم الله جل وعلا" فتطبيق أحكام الشريعة من صلب مقاصد الحكم في
الإسلام. ومما لا شك فيه أن قدرة الحكام على حمل لواء الجهاد والمقاومة
والمساندة والمناصرة أقوى من العلماء والشعوب لما يملكونه من سلطة
وأجهزة وأسلحة وجيوش وقدرات مادية هائلة، فالعلماء مهمتهم البيان
باللسان وشرح السنة والكتاب والحكام مهمتهم تنفيذ الأحكام وحمل السنان
وجر الكتائب والشعوب مهمتها طاعة أولي الأمر الشرعيين من العلماء
والحكام في غير معصية الله إذا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "إنما
الطاعة في المعروف" وإذا ما تقاعس أو تخاذل أو خان الحكام وتخلوا عن
أداء مهام الحكم الشرعية تنتقل المسؤولية إلى العلماء لقيادة الشعوب
وإلا لحقهم الإثم.
وحكام العرب أمام القضية الفلسطينية نوعان:
1-الفريق الأول: متاخم للأراضي
الفلسطينية جغرافيا فهؤلاء مسؤوليتهم أعظم من غيرهم من الحكام ممن لا
تربطهم حدود جغرافية مع فلسطين ومسؤولية مصر الشرعية والسياسية
والقومية والتاريخية أعظم من غيرها على وجه الإطلاق والإنصاف يقتضي منا
شكر الرئيس حسني مبارك الذي سمح في الأيام الأولى بفتح الحدود لإغاثة
سكان غزة المحاصرة وهذه منقبة تحسب له تاريخيا ولكنها غير كافية، ونخشى
أن تغلق الحدود مرة ثانية تحت اسم ضبط الحدود، فتحدث خيبة الأمل لدى
العالم العربي والإسلامي ويقال عادت حليمة إلى عادتها القديمة، ولا شك
أن مسؤولية علماء مصر ومفكريها وأحزابها وشرائح الشعب المصري أعظم بحكم
القرب والمجاورة، فجار له حق، وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق كما جاء
في الحديث الصحيح. ونرجو من الله تعالى أن لا تخذل مصر قضية
المسلمين الأولى في العالم الإسلامي بحكم وزنها ومكانتها وأزهرها
وتواجد كبرى الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي أعني "الإخوان
المسلمون". ونحن نعرف أيضا حجم الضغوط الهائلة على النظام المصري
ليتخلى عن مناصرة ومساندة الشعب الفلسطيني وهناك أطراف داخلية وإقليمية
ودولية تدفع إلى انحياز مصر لطرف السلطة الفلسطينية، بقيادة عباس الذي
سبب لعرفات المتاعب عندما أراد الاستحواذ على صلاحياته متشجعا بالدعم
الأمريكي والإسرائيلي والقصة الكاملة معروفة على حساب حركة المقاومة
حماس، ممّا صعب الأمر على القيادة المصرية أن الرئيس الفلسطيني مازال
يرفض الحوار مع حماس، إلى أن تتراجع حماس عن الانقلاب المزعوم وهناك
دول في المنطقة تشاطر السلطة الفلسطينية في طرحها، هذا فضلا عن أمريكا
وإسرائيل وبعض دول الإتحاد الأوروبي بدعوى أن حماس انقلبت على الشرعية
المزعومة وأين كان هؤلاء الذين يتباكون عن الشرعية السلبية يوم انقلب
بعض الجنرالات المجرمين من داخل المؤسسة العسكرية والذين لا يمثلونها
حق التمثيل على الإرادة الشعبية في 1992 وإلغاء الانتخابات المحلية
والولائية سنة 1990 التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بقوة
السلاح والدبابة وبمساندة بعض الساسة الذين لا شعبية لهم وكذا بعض
الدول الغربية باسم إنقاذ الجزائر، وكأن الشعب الجزائري لم يبلغ سن
الرشد السياسي ويحتاج إل وصاية من هذا الطرف أو ذاك، ورغم ذلك الجبهة
الإسلامية للإنقاذ مازالت تطالب بالحوار والحل السياسي ولم تغلق باب
الحوار الحقيقي العادل والشامل ولذلك نطالب من القيادة المصرية أن تكون
حكيمة وبعيدة النظر وحسنة التصرف، وأن تفتح الحدود لإخواننا في غزة ولا
تساهم بشكل أو بآخر بتجويع الشعب الفلسطيني أو خذلانه وما يقال لمصر
يقال أيضا لسوريا والأردن بحكم الجوار والقرب.
2.الفريق
الثاني:
وليعلم هذا الفريق من الملوك والأمراء والحكام أن بعده عن الأراضي
الفلسطينية لن يعفيه من المسؤولية سواء أكانوا في المغرب العربي مهد
الأبطال والرجولة والشمم أو المشرق العربي مهبط الوحي ومهد الرسالة
وبما أن مصر تتعرض للضغوط المتزايدة فيجب على هؤل&